محمد أبو زهرة

3870

زهرة التفاسير

وإشراك غيره معه ، ففي الصحيحين : أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك « 1 » ، وفي صحيح مسلم : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان سمعهم قالوا لبيك اللهم لبيك ، قال عليه الصلاة والسلام : « قد قد » ، أي حسب حسب لا يزيدون على هذا « 2 » . وإنهم كانوا في الشدة لا يستغيثون إلا باللّه لعلمهم بأنه وحده الخالق المغيث ، ولكنهم يشركون به غيره في العبادة ، ولقد كانوا بهذا أقرب إلى التوحيد من غيرهم ، فليس على الداعي إلى الوحدانية إلا بطلان عبادتهم للأوثان وقولهم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى ، فاللّه قريب من عباده . . . ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ . . . ( 60 ) [ غافر ] وما لهم عنده من شفعاء . هذا على منطق أن الناس المراد بهم عرب الجاهلية ، وعلى الفرض الثاني والثالث يكون المعنى أن أكثر الناس تعتريهم حال إشراك مهما أخلصوا التوحيد للّه تعالى ، فالأوهام تسيطر على الناس وقد تأدت بالوثنيين إلى عبادة الأوثان ، ولكنها بالنسبة لمن جاء بعدهم تأدت بهم إلى أوهام حول الأشخاص ، لم يعبدوهم ولكن اعتقدوا فيهم قوى خفية ، وإن آمنوا بأنهم مخلوقات ، وأنهم بشر . وإن أظهر ما يكون ذلك في الرّقى ، روى عن عبد اللّه بن مسعود رضى اللّه عنه خبر روته امرأته زينب قالت : كان عبد اللّه إذا جاء من حاجة فانته إلى الباب تنحنح كراهة أن يهجم على أمر يكرهه ، وإنه جاء ذات يوم ، فتنحنح ، وعندي عجوز ترقينى ، فأدخلتها تحت السرير ، فدخل فجلس إلى جانبي ، فرأى في عنقي خيطا ، فقال : ما هذا الخيط ؟ ، قلت : خيط رقى لي فيه ، فقال : إن آل عبد اللّه لأغنياء عن الشرك ، سمعت رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم قال : « إن الرقى والتمائم شرك » « 3 » .

--> ( 1 ) رواه مسلم : الحج - التلبية وصفتها ووقتها ( 2032 ) . ( 2 ) المرجع السابق . ( 3 ) انظر ما رواه أحمد : مسند المكثرين من الصحابة - مسند عبد اللّه بن مسعود ( 3433 ) ، وبنحوه ابن ماجة : الطب - تعليق التمائم ( 3521 ) ، وأبو داود : الطب - في تعليق التمائم ( 3385 ) .